مصطفى مسلم

105

مباحث في التفسير الموضوعي

هو تحريفها عن مسارها وظهورها في صور مشوهة من الانحرافات العقدية مما سبب انحطاطا في المستوى الخلقي للبشر ومسخا للملكات والعواطف النبيلة التي ترقيها وتسمو بها عقيدة الألوهية الحقة . فليست القضية إذن بين إنسان يعبد أو لا يعبد - أو يقر بإله أو لا يقر - فالجميع يعبدون بأسلوب أو بآخر . وإنما الفارق في المعبود : هل الإنسان يعبد اللّه سبحانه وتعالى المستحق للعبادة فيوحده ولا يتخذ معه ندا ولا شريكا ، أو أن الإنسان يعبد غير اللّه من الآلهة التي لا واقع لها في الحقيقة ، إن هي إلا أسماء سموها هم وآباؤهم . فهنا حالتان : حالة الهدى : فيعبد الناس اللّه وحده بلا شريك في مراحل البشرية جميعها . وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [ النحل : 36 ] . وحالة الضلالة : وتختلف فيها المعبودات من دون اللّه وتختلف باختلاف الزمان والمكان . لم تعد قضية الألوهية - من حيث إثبات الخالق - من النظريات التي يقام عليها برهان فإن الفطرة الإنسانية السليمة قد شهدت - بضرورة فطرتها ، وبديهة فكرتها - بصانع قادر حكيم عليم وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [ الزخرف / 9 ] وإن هم غفلوا عن هذه الفطرة في السراء فلا شك أنهم يلوذون إليها في حالة الضراء وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ لقمان / 32 ] . يقول الشهرستاني في كتابه « نهاية الإقدام في علم الكلام » « 1 » تعقيبا على إقرار الفطرة بوجود الخالق : ( ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشرك ) . * * *

--> ( 1 ) في ص 124 .